في تلك الأيام التي أركض وتركض خلفي، أو تركض هي وأركض خلفها، أشعر أنني أحتاج إلى عجلات، إلى ساعة توقف الوقت، إلى الصمت، إلى التوقف فجأة حتى ألتقط أنفاسي، كل شيء يركض أسرع مني!
أنظر لزميلي في العمل وأقول له بجدية لا تخلو من دعابة، لقد اجتازتني المهام طولا! كيف لا يرفقون بي وأنا بهذه القامة القصيرة، أنا أقصر وأصغر من هذا الهم! نضحك سويًا، فلم يكن هو أيضًا يتعداني طولا!
وفي عالم آخر، وفي زمن آخر، تتعلم كيف تبطيء الدنيا، كيف توقف الساعة، أو تتوقف عن النظر إليها، ألا ترتعد إذا مرت الساعات دون إنجازك شيئَا يذكر، أن تجعل هدفك لليوم هو ألا تعمل أي شيء! تلك الراحة ليست رفاهية بل ضرورة، وتلك الصباحات البطيئة الملهمة!
أنظر إليك، أتذمر من هدوءك الشديد، من تركيزك الذي يغرقك فيه لساعات، تنظر في شاشة لا أفهم منها شيئًا، وتبدا العمل، ورغم انزعاجي، إلا أنك لا تسأم مقاطعتي لك، تظل على وجهك بسمة بسيطة مرتاحة تجيبني بها في كل مرة، هدوءك يزعجني أحيانًا، ولكن بمرور الوقت وجدت أنه ينقذني!
تسألني المعالجة يومًا، ماذا تريدين؟ أقول لها أني أريد صباحات هادئة، بطيئة، أقوم متكاسلة من نومي، أسير ببطء للمطبخ، واحضر فنجان قهوة أشربه على غير عجل، أشربه دافئ، أشربه بمزاج!
تقول لي ما أكثر الأشياء التي تزعجك فيه، في نفس الدقيقة أقول هدوءه! لكنني أرجع على الكرسي وأتذكر ما قلته من ثوان معدودة، أدرك في تلك اللحظة أن هدوءك غير المنقطع هذا هو كل ما أحتاج.
تسألني، كيف يومك، أقول لك أنه رائع، تظن على معرفتك بي أني سأحكي لك كيف جبت المدينة، وكيف رقصت مع الفراشات، تتخيل أني صنعت ألف شيء، وأنهيت قائمة المهام بامتياز، أتكلم إليك فتتسابق الأفكار والكلمات، تنظر إلي مشدوها تحاول تجميع كل ما قلته، فأنا أتكلم أسرع مما تسمعني، ولكني أبتسم لك وأنا أرتب أغراضي وأقول بابتسامة عريضة "رائِـعًا" تبتسم وتنتظر التفاصيل، يلمع في عينيك الحماس، تهز رأسك سائلا المزيد، أرد بغير تريث تناولت طعامي أمام التلفاز، شاهدت عرضا تليفيزيونيا، واستمتعت بفيلم قديم، فتتراجع خطوتك للوراء مصدومًا!
ولأنني أفكر وأتكلم أسرع من ردود أفعالك، أقول لك: نعم، لقد كان يومًا ممتعًا، كنت مرتاحة، كنت أحتاج إلى تلك الراحة....
ابتسامتك المطمئنة تعلو وجهك، تضمني بسلامك المستكين، تفرح بحماس هادئ، تقول لي أن أهم شيء أنني مرتاحة. لا تخلو نظراتك من اندهاش سعيد، لم تكن تتصور أن جنوني سيهدأ يومًا، وأني حقًا سأستمتع بهذا الهدوء البطيء الممل.
أفكر، لماذا هدوءك مستفز؟ ولماذا أرغب فيه وفيك وبشدة؟ لأنه يضبط إيقاع حياتي، يخبرني أنه لا بأس، سنكون بطيئين الليلة، لا أحكم عليكِ ولا ترهقينني. لربما ما يزعجني أحيانًا أنني في حالة الهدوء لا أقرأ الأشياء، لا أهتم بالأحداث، لا أعبأ بالتفسيرات الكثيرة، ولا تتصارع كلماتي وأفكاري، وأفكاري وأفكاري، وكلماتي وهدوء مسامعك، نسكت كلينا، وخلفنا السلام، وبسمات مرتاحة في صباحات بطيئة مملة، ولكنها طيبة ... طيبة جدا... وناعمة .. تماما مثل عينيك!