من بين تلك الليالي التي افتقدتك فيها، أفتقدك الليلة أكثر!
ربما لإني الليلة قلقة، ربما لإني أتنفس بصعوبة، ربما لإني أشتاق رائحتك، ربما لإني أعرف أن جهازي العصبي يعمل بطمأنينة أكثر بجانبك، ربما لإنك بدون طلب مني تحضر لي أجمل مشروب شيكولا؟ ربما لإني أتذمر من الشوكولا مع الحرارة فتغير الخطة بسرعة إلى عصير توت مثلج؟ ربما لإنك أحيانا تغريني بوضع الزبادي على التوت؟ ربما لإنك تطفيء أنوار غرفة المعيشة وتترك مصباحًا خافتًا ولا تكلفني عناء القيام من على الأريكة، وتلفني بغطاء قطني خفيف، تطبع قبلة على رأسي كاعتذار عن أشياء لم تفعلها، وتحضر لي العصير، تضعه في كوبي المفضل، تناولني إياه بلا كلام، وتنتظر بلهفة كالأطفال أن أنظر إليك بعبوس وأقول إنه لذيذ كالعادة! فيشرق وجهك، وتسألني إن كنت أريد أن أشاهد فيلما معك؟ أزمجر أني أريد أن أكمل المسلسل التركي، أنت تكره الدراما التركية، لا تحبها، طويلة ومملة، لكن ورغم ذلك تتابع الأحداث مني لا من التلفاز! ربما لإني اليوم أستلقي وحيدة على الأريكة، أحتاج الشوكولا الدافئة، وأريد أن أبكي وحدي على الأحداث، لكنك تجلس بنفس الغرفة، ربما إني أريد أن أبكي وأنت تمسك بيدي، لا تتفوه بكلمة، فقط تجلس هنا، وتترك دموعي تهمي في سلام؟ ربما لإني أشتاق حضنك الدافيء الذي ألجأ إليه عندما أنتهي؟ ربما لإن الحياة تجلس مثل الفيل فوق صدري ويضيق بها متنفسي؟ ربما لأن بوجودك لا أحتاج خلية واحدة للتفكير؟ لا أحمل هما؟ لا أفكر في الوجبة التالية؟ لا أفكر في الصحون المتراكمة في مطبخي؟ ولا شراشف السرير التي لم أبدلها لمدة شهر؟ ولا في سلال القمامة حول البيت؟ ولا في البراد الذي يحتاج إلى إفراغ أو تعبئة؟ ربما لإنك وأنت هنا لا تبيت القمامة في مطبخي؟ ولا تفوح منه رائحة عفنة غريبة أنتبه لها بعد عدة أيام؟ ربما لإني اليوم لا أستطيع رفع رأسي ولا عيني، ولا أقدر على التواصل مع العالم، ربما لإني أفتقد الموسيقى وأنت معزوفة طيبة من السماحة والحب؟ ربما لإني اليوم أفتقد الحقيقة؟ أفتقد شخصا يقول ما يفعل ويفعل ما يقول؟ ربما لإني تعبت اليوم من الزيف متكرر في العمل، ومن الأقنعة، ومن الابتسامات الزائفة، ومن الثقة المهدرة؟ ربما! وربما لإني تعبت من الترحال، من ترحالي وترحالك، ربما لإني أريد فقط بيتًا جميلا أبيض الواجهة، بسور قصير وحديقة جميلة بها حوض زرع تفوح منه الورود، وحوله من الجهة الأخرى أشجار برتقال، ويمرح فيه قطي وكلبك بسعادة وحرية، في أطراف القرية، نذهب الثلاثاء إلى سوق المزارعين، نشتري ما لذ وطاب، ونبيع ما قد حصدنا، ونطبخ مساء وجبة خفيفة، وأجلس بين ذراعيك، أشاهد الحطب وهو يحترق، وصوت الطقاقات يشبه الهدهدة، ننام باكرا كالطيور، وشرق مع الشمس، تذهب لعدة ساعات كل يوم، تنهي أعمالك، وتعود لتكمل معي اليوم، نشاهد الغروب معًا، ونسافر إلى أماكن جديدة، بعيدة، هادئة، جميلة، ونعود إلى بيتنا، في كل مرة، نعود إلى بيتنا!
لربما الليلة أفتقد البيت .. معك، أفتقد الوطن الذي ما عدت أميزه، هل هو وطني أم وطنك؟ أم البلد الذي أعيش فيه؟ أم البلد الذي تعيش فيه؟ لكني عرفت أن الوطن هو بيتنا الصغير، الدافيء، المكان الواحد، الذي أعرف أنني سنعود إليه! لربما يجب أن نجد لنا بيتًا قريبًا، أن تجد لي كما وعدتني شرفة كبيرة على الحديقة، ومطبخًا واسعا بمدخل خاص يطل على حديقة خلفية صغيرة أزرع فيها الخضار، لربما يجب أن نلتقي، وأن نضع الترحال جانبًا، وأن نزرع شجرة توت أمام البيت، ونرعى البرتقال، ولربما ربما أنجبنا طفلا، أو اثنين؟ لا أعرف..لكني أريد العودة إلى البيت، أريدك بشدة، وأريد كوبًا دافئا من الحليب والفانيلا، وحضنك الدافيء، وانفاسك الهادئة المنتظمة، وصوتك العميق، وحكاياتك اللطيفة التي حفظتها من جدتك.. لأنني.... أفتقدك الليلة أكثر!