الجمعة، 24 فبراير، 2017

عندما نغني!

عندما تدخل كل تلك الكلمات إلى أرواحنا، تلمسنا من الداخل، تفعل فعلتها في أجزاءنا وخلايانا، تلك الكلمات نحن، تلك الموسيقى الصاخبة بما يدور في قلوبنا من ألم أو فرح، تلك الطقطقات التي توائم بشدة نبضات القلب، تحدث إيقاعًا خاصا جدا، لا ندري لم نحن بالذات، ولم تلك الأغنيات بالذات، لكن هذا ما حدث!


عندما نغني، عندما نمنح هذا الشيء جزء كبير منا، عندما نتوحد في تلك المقطوعات الصغيرة، عندما نعيدها مرارا وتكرارا، عندما نضع سماعات الأذن ولا نسمع أي شيء يدور بالخارج، ندخل في عالمنا نحن، عالمنا وفقط، نشارك فيه الجميع بسمات لا متناهية، بسمات قد تختلط بمزيج من الألم والقسوة والمرارة، ذاك الصبر الذي يخرج في صريخ موشِّح بقول يااارب، وأنين أخرى بآهة ألم وعذاب وشوق!

عندما تضيق علينا جلودنا، يسعنا اللحن، يسعنا الغناء، يسعنا الفضاء، يسعنا هذا المزيج المكلوم من كثرة السكوت، يسعنا الوتر، الوتر الذي يصرخ عندما يشتد، ويعوِّل عندما يتألم، ويرق ويضحك حينما يبتسم له ثغر الحبيب!

في الرقص، يتلاشي كلانا بصاحبه، في الغناء، نكون نحن وفقط، نحن الذين يتلاشون في النغمات حتى تفرقنا السماء في أنحاءها فنسقط كالمطر، أو تجمعنا فنطل على الأرض في هيبة كالسحاب!

السماء التي تضحك معنا فتبعثنا من جديد في قوس قزح، وترسلنا قبلة لتلك الزهرات والوردات، أو تعصف بكل أوجاعنا، وتجعل من خناجر القلب الكليم رعدا وبرق!

عندما نغني، نجد أنفسنا، نبكيها ونضحكها، نجد تلك الجواهر المدفونة تحت كل الألم والسخط والتعب والضعف والخوف والوحشة والارتياع، كأن الألحان تجمعنا على أشلاءنا من جديد، كأنها تربط قلوبنا بأوتار الكمان، كأنها تسند ظهورنا بعصا الإكسليفون، أو تدفئنا بداخل طبلة، أو ترثينا في صوت الناي الحزين!

أعطني الناي وغنِّي، أعطني فضاء يسعني، أعطني قلبي الذي يهرب في كل كلمة، وأعطني تلك الروح التي لا تجتمع إلا مع الناي الحزين!

هذا الغناء .... هذا السحر ..... هذا الفضاء ..... هذا الشيء الذي يجمع فتات القلب!

* من وحي فيلم ( غنِّي) SING 

الأحد، 4 ديسمبر، 2016

سافري ...

سافري ..... فتلك الميناء التي ظننتها محطتك الأخيرة لم تكن سوى مرفأ من ضمن المرافيء...

سافري ..... فتلك المراكب التي أرخيت شراعها على ظلمة المحيط لم تجد مرساة

سافري ..... فذاك البيت الذي كان الوطن أغلق الأبواب دونك

سافري .... فتلك المزهرية عفا الزمن فوق ألوانها الزاهية، وتلك الطاولة البيضاء صارت رمادية، وتلك الكتب تبعثرت أوراقها، وتلك الحلل الجميلة لم يعد أوان للتزين بها، لم يعد هناك أي موسيقى للرقص بها ... سافري ... فلقد رحل الشبح الذي أحببته إلى أرض ضائعة لا رجعة منها .... سافري فإن تلك الأرض لا تلد سوى الأطياف ..... سافري فلم يعد لك أي سكن هنا ... سافري فلقد ضللت يد الوطن .... سافري ... ما الذي يبقيك هنا؟ لا شيء في الزهر يثير قلبك، ولا رائحة تجذبك، ولا لون يلمع في عينيك!
سافري .... الشمس التي تغيب في الشمال لا تشرق من جديد، الشمس التي تبخل بدفئها لا تعود وسط العتمة كي تحضنك، الشمس التي تمنع النور ماذا تعطي بعدها سوى الحريق؟
سافري ......  عندما يغيب القمر فكل شيء سواء، الظلمة ظلمة، لا فرق بين ظلمة الشرق وظلمة الغرب، ولا فرق بين البلاد في لون الظلام!
سافري ..... الغربة تأتينا في مضاجعنا عندما نفقد الأحبة، الغربة وحش مفترس أكلك أكثر من مرة، منذ عام يأكل في قلبك وبقاياك، ماذا بقى من قلبك كي يتركه الوحش هنا للوحش هناك؟ لا شيء سوى عظام نخرة!
سافري .... فالسماء صارت لا ترسل سوى الشهب، ولا شيء يغني فيها سوى صوت الرعود، أين العصافير التي كانت تزقزق؟ لا شيء يبقى بعد رحيل الورود، لا شيء يبقى هنا صدقيني ....
سافري ..... هل تجيدين الوداع؟ لا تجيدين الوداع يا صغيرتي، ولكنك ستعرفين طريق المطارات وستعرفين كيف تحملين الحقائب وحدك مثلما حملت الهموم، ويتعرفين كيف أن الدموع لا تذرف فقط فوق عتبات السفر، وستعرفين طرقا جديدة للوداع! ثم أي وداع تأملين؟ هل ثمة وداع بقي؟ هل ثمة وداع بعدما هاجر صوته للأبد؟ لماذا لم يلوح لي من بعيد حينما أراد الغياب؟ لماذا؟ لماذا لا نمتلك الفرصة كي نذوب بأحضان من يرحلون قبل الرحيل؟
سافري .... في السفر فوائد عدة، ستعرفين بالسفر الحقيقي أن لا وطن موجود ولا سكن يبقى، ستعرفين أن الموت يموت كثيرًا بين يدينا دون أن ندري، ستعرفين أن هناك شموس أخرى من ورق معلق في سماء من بعض القطن العفن الرمادي، لا ترسل نورا ولا دفئا ولا عذر لها في ذلك ...
سافري .... ماذا لديك هنا لتبقي غير رائحة الدماء ولزوجة الدموع والمخاط؟ ماذا لديك هنا غير هموم قلبك التي تنزف كل يوم ولا تمل من البكاء؟ ماذا هنا؟ غير كل الأطعمة التي تشتهيها وفقدت مذاقها ولذتها، غير ضحكات لا تعرفيها تخرج من صوتك، غير امرأة لا تشبهك في المرآة تشيخ كل يوم مائة مرة!!!
سافري .... ماذا يعجبك هنا لتحلمي؟ أي حلم تبحثين عنه وقد أضعت جوهرك الوحيد، كطفلة في مهب الريح وقفت تداعب بالونها فعصفت به الذواري! أي شيء نجده بين أيدينا إذا مر إعصار بها؟
سافري ... ما تبقى كي يسرب تلك الورائح الجميلة لقلبك، وتلك الألوان الحلوة، إن كنت لا ترين سوى الرمادي يقتل كل شيء! لا فراشات في الشتاء ولا ربيع في القفار صدقيني!
سافري .... وستدركين أن كل الخطابات التي كتبتيها في درج مكتبك ذهبت سدى، كل تلك الأمنيات برؤية عينيه يقرأ تلك الكلمات وتلمع قد ماتت منذ زمن .... عجيب أمرك حين يخذلك الموت مرارا وتكتحلين بتراب القبور!
سافري ..... ولا تكرري كل ليلة قبل النوم كلمات الوداع التي لن تقوليها، يا عزيزتي أفيقي لن تقوليها، لن يأتيك الحلم فارسا بين صالات المطار يحمل الأزهار ويطلب منك المجيء معه لإكمال الطريق الذي بدأ بكما كطفلين خادعا الزمان وضحكا ملء القلوب! ولا تكتبي المزيد من الخطابات التي اصفرت تنتظر القراءة واللقاء، تنتظر إطلاق سراحها في الروح، تنتظر أن تشم رائحته التي وعدتها بها ........
متى أخر مرة ضحكت؟ متى أخر مرة أثر الضحك بقلبك، متى كانت آخر مرة تمتليء عيونك من هذا البريق؟
سافري .... ماذا تبقى لنا إذا قسى الأب والأم والابن والرفيق والحبيب وخذلنا الهواء فاختنقنا! ماذا بقى لكي نبقى؟ إذا رحل من بثغره مفتاح الفؤاد وأزهار الربيع؟
سافري ..... ماذا تبقى إذا فقدنا أرواحنا؟ لا شيء يبقى إذا فقدنا أرواحنا، لا شيء يبقى إذا علمنا أنها أرواحنا وفارقت منا الروح والجسد، ماذا تبقى حتى لكي نعود!!!!

سافري ولا تعودي .... تلك البلاد تفوح منها رائحة الخراب والألم، تلك البلاد طالما خدعت قلوبنا بذاك الأمل، تلك البلاد لا تحب أي شيء جميل، سافري إلى بلاد الموت، قد كتبت وصيتك منذ زمن؟ ماذا تبقى كي تحزمي أمتعة السفر!

سافري .... فإذا بردت في بلاد الثلج فتدثري بتلك الخطابات الثلاث، أو احرقيهم وأشعلي النيران في البقية، أو انظري صوب قلبك ... يحترق قلبك كل يوم .... متى يفنى ذلك القلب الحزين؟

سافري .... سيقولون لك بلاد الغربة؟ أي غربة تلك التي قد تكون أقسى فتشعرك بأنك غريبة! ... يا عزيزتي أنت غريبة أصلا، كنت غريبة وعدت غريبة فما الغريب في الأمر؟ هل تشبهك تلك الضحكة؟ هل تعرفك تلك الكلمات؟ هل تلك الأفكار الباهتة تنتمي إليك؟ أين قلبك وسط كل هذا الضجيج؟ فقدته؟ مثلما كان مفقودا من قبل؟ لا بأس عليك، لا شيء أعتى من غربة القلب بين الأموات الأحياء.

سافري ..... فلا شيء أقسى من قلبه، ولا شيء أغرب من قلبك، ولا جرح أوغر مما فعل الزمان بكما!

الجمعة، 11 نوفمبر، 2016

لا شيء يشبه الحب ٢

تتلوى من الألم منذ الصباح الباكر، لا تعرف السبب، لا تكهنات واضحة لديها، الضعف هو سيد الموقف، والمجهول هو القائد!

" من فضلك لا تذهب إلى العمل اليوم، الألم يفتك بي!"

على مدار أربع ساعات يتيهون في أروقة المشافي، لا تشخيص يفي بالغرض، لا دواء يوقف شراسة الألم، لا شيء سوى بكاء أشبه بالصراخ أو صراخ أقرب للبكاء!

في حجرة زرقاء أخرى، بمشفى على الضفة الأخرى، يضع منظاره على منخاره ويقول بهدوء: " نحتاج لجراحة عاجلة "

لماذا تغوص الكلمات في أمعاءنا فجأة إذ نسمعها بتلك البساطة؟

في ذهول تجلس لا تقوَ على الوقوف، تنظر إليه، يبادلها النظر وبسمة مرتجفة تعلو شفتيه،
" لا تقلقي، لا شيء، ستكونين بخير "

يمسك يدها، كل واحد منهما يتشبث بالآخر، هو أمانها الوحيد، بطل قصتها وطبيب قلبها، هو الأب عندما تخلى عنها أبوها منذ سنوات!
يفهم من الطبيب خطورة الوضع، يوقع الأوراق اللازمة، يعود ببسمة أعرض وأكثر طمأنينة عن الأولى، يداعبها بكلماته المرحة، ويمسح رأسها ويقول: " شيء صغير في جسدك أرهقنا طوال الوقت، هذا السنتيمتر المزعج يحتاج للخروج، هل أنت قلقة؟"

تسأله: " هل أنت قلق؟ هل الأمر خطير؟ "
" كلا يا حبيبتي، الأمر بسيط، أوضح لي الطبيب الأمر، كل شيء سيكون على خير ما يرام"

هزت رأسها بمزيج من قلق وتوتر ومحاولات لطمأنة نفسها .....

يشد على يدها، كلما نظرت إليه وجدته ينظر إلى عينيها ويبتسم، بسمته تملأ قلبها بالسحر، مازالت بسمته تملأ قلبها بالسحر!
تطلب منه إحدى الممرضات الذهاب إلى الاستقبال إكمال الإجراءات بينما تحضر المريضة للجراحة، تتعلق بيده كالأطفال، أين تذهب؟
يربت على يدها " مسافة الطريق "

تتحضر، تتلو صلواتها وهي تقاوم الألم، هذا المهديء يعطي مفعوله بهدوء وثبات، ترتاح على السرير المتنقل، تنظر إلى سقف الغرفة القابض، وتعيد الصلوات مرة أخرى بخشوع!

تتحرك بها الممرضة إلى غرفة العمليات، الوقت يمر ويجب إزالة ذاك الشيء بأسرع وقت.

كان هو بأول الممر يتجه إلى الغرفة حينما رآهم يهرعون إلى قسم العمليات، هتف بهم، وركض لاهثًا....

طفلته الصغيرة تلك، لو يملك أن يحمل عنها كل الأوجاع؟ لو يملك أن يرتدي الأبيض بمحلها ويذهب هناك، لو يملك أن يقتل الألم ويهرب بها من هذا المكان الموحش!

عيناه! كيف هي عيناه؟

كيف يمكن للأعين أن تتحضن كل الروح وتدفيء كل الجسد بنظرة؟

كفه؟ كيف هي كفه؟

كيف يمكن لكف أن يلخص كل العالم في مسحة على شعرها المبتل من العرق؟

بسمته الساحرة!

طبع بها قبلته على جبهتها، شدد عليها كوني بخير في الداخل! كإنما هي التي تقاتل !

" سأكون هنا، أنتظرك هنا، لا تتأخري بالداخل أرجوكِ "

ابتسمت، وأكملت الطريق وقلبها معلق هناك، بقلبه!

يجيء ويذهب! ويوسع الأرض بخطواته المضطربة، لولا الملام لصرخ كالأطفال، يكابد تلك الدمعة في عينه، حبيبة قلبه بالداخل وهو هنا!!!
يبتهل للسماء، ويرفع عينيه إلى الله داعيًا، ويبكي، ويصرخ، ويضطرم قلبه بنيران شديدة لا تجد من منافذ الخروج سوى زفرة صبر، ونفاذ صبر بآن واحد!

يجيء ويذهب!

ويفرك أصابع كفه، ويديه، ويضرب بقبضة يده الحائط، ويبتسم دوما للعابرين، وقلبه الملتاع ... قلبه الملتاع يصلي هناك بسكون مضطرب شريد!

خائف ومرتعب، لكن قلبه يخبره أنها ستطل عليه، أنها ستعود إليه، لن تتركه وحيدا هنا وهي وطنه الوحيد، وعائلته، وكل ما يملك، هي كل ما يملك!

يشعر بالبرد ....

لماذا دوما نشعر بالبرد حينما يبتعد الأحباب!

الدقائت تمر كالسنوات العجاف، ما بالك بالساعات!

طفل ينتظر خروج أمه ليختبيء في قلبها!

خرجت، غائبة عن الدنيا لكنها خرجت بخير!

تهلل وجهه، شعر أخيرا بتلك الدموع التي غافلته وهربت من السجن العتيد في محجريه!

لماذا يبد البعض شجاعة لا قبل له بها!

لماذا يكتمون كل الحب في الدمعات؟ ويخرجون جل العشق في بسمة، بسمة تكشف كل الخبايا، تخبر بأكثر ما تقوله الأدمع!

كالطفل إلى أمه ركض، جثم على جسدها المسجى في هدوء، بكى، قبل رأسها وضحك، مسح وجهه وأخذ بمقابض السرير وسار بها إلى غرفة المتابعة.

هل يطير بها، هل يجري، هل يخطفها من أنياب المرض ويهرب؟

جلس أمام الطبيب يستوضح الأمر، كل شيء على ما يرام، تلك الصلوات التي تتلى في أزقة المشافي لا تذهب هباء أبدًا!

فتحت عينيها فأنارت دنياه من جديد!

خرج ليحضر لها غرضا طلبه منه الطبيب.

همست لصديقتها" هذا الرجل يملك قلبي، هو كل ما تمنيت من الكون وأكثر، هو ملكي وبطلي وحبيبي، هو كل عائلتي التي خذلتني وذهبت، هذا الرجل لو أملك تقبيل قدميه أفعل كل صباح وكل مساء، أتعلمين؟ قبل أن أدخل للجراحة أسرع خطاه ونادى الممرضة وقبل رأسي! تلك القبلة بالدنيا وما فيها، أبي تخاذل كالعادة، وإخوتي كإخوة يوسف ناكرون، أما هو! والله هو نعمة الله على رأسي! "